أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 125
دار مكتبة الحياة
فلربما انقلب الشمات ... فحل بالقوم الشمت
ووجد على قبر مكتوب: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة. وعلى آخر: من أمل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور. وقيل في منثور الحكم: ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه. وقال بعض الحكماء: من لم يمت لم يفت. وقال بعض الصلحاء: لنا من كل ميت عظة بحاله، وعبرة بماله. وقال بعض العلماء: من لم يتعظ بموت ولد، لم يتعظ بقول أحد. وقال بعض البلغاء: ما نقصت ساعة من أمسك، إلا ببضعة من نفسك. فأخذه أبو العتاهية فقال:
إن مع الدهر فاعلمن غدا ... فانظر بما ينقضي مجيء غده
ما ارتد طرف امرئ بلذته ... إلا وشيء يموت من جسده
ولما مات الإسكندر قال بعض الحكماء: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. فأخذ أبو العتاهية هذا المعنى فقال:
كفى حزنا بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك عن يديا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
وقال بعض الحكماء: لو كان للخطايا ريح لافتضح الناس ولم يتجالسوا. فأخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال:
أحسن الله بنا ... أن الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منا ... بين ثوبيه فضوح
وهذا جميعه مأخوذ من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو تكاشفتم ما تدافنتم» . وكتب رجل إلى أبي العتاهية - رحمه الله -:
يا أبا إسحاق إني ... واثق منك بودك
فأعني بأبي أنت ... على عيبي برشدك
فأجابه بقوله:
أطع الله بجهدك ... راغبا أو دون جهدك
