أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 231
دار مكتبة الحياة
اعلم أن النفس مجبولة على شيم مهملة، وأخلاق مرسلة، لا يستغني محمودها عن التأديب، ولا يكتفي بالمرضي منها عن التهذيب؛ لأن لمحمودها أضدادا مقابلة يسعدها هوى مطاع وشهوة غالبة، فإن أغفل تأديبها تفويضا إلى العقل أو توكلا على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع أعدمه التفويض درك المجتهدين، وأعقبه التوكل ندم الخائبين، فصار من الأدب عاطلا، وفي صورة الجهل داخلا؛ لأن الأدب مكتسب بالتجربة، أو مستحسن بالعادة، ولكل قوم مواضعة.
وذلك لا ينال بتوقيف العقل ولا بالانقياد للطبع حتى يكتسب بالتجربة والمعاناة، ويستفاد بالدربة والمعاطاة. ثم يكون العقل عليه قيما وزكي الطبع إليه مسلما. ولو كان العقل مغنيا عن الأدب لكان أنبياء الله تعالى عن أدبه مستغنين، وبعقولهم مكتفين. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» . وقيل لعيسى ابن مريم - على نبينا وعليه السلام -: من أدبك؟ قال: ما أدبني أحد ولكني رأيت جهل الجاهل فجانبته. وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق ومحاسنها وصلا بينه وبينكم، فحسب الرجل أن يتصل من الله تعالى بخلق منها.
وقال أزدشير بن بابك: من فضيلة الأدب أنه ممدوح بكل لسان، ومتزين به في كل مكان، وباق ذكره على أيام الزمان. وقال مهبود: شبه العالم الشريف القديم الأدب بالبنيان الخراب الذي كلما علا سمكه كان أشد لوحشته
