شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 240

دار مكتبة الحياة

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المدح ذبح. وقال ابن المقفع: قابل المدح كمادح نفسه. وقال بعض الحكماء: من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أمكن الساخر منه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إياكم والتمادح فإنه الذبح إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب ولا أزكي على الله أحدا» .

وقيل فيما أنزل الله عز وجل من الكتب السالفة: عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب. وقال بعض الشعراء:

يا جاهلا غره إفراط مادحه ... لا يغلبن جهل من أطراك علمك بك

أثنى وقال بلا علم أحاط به ... وأنت أعلم بالمحصول من ريبك

وهذا أمر ينبغي للعاقل أن يضبط نفسه عن أن يستفزها، ويمنعها من تصديق المدح لها، فإن للنفس ميلا لحب الثناء وسماع المدح. وقال الشاعر:

يهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان

فإذا سامح نفسه في مدح الصبوة، وتابعها على هذه الشهوة، تشاغل بها عن الفضائل الممدوحة، ولها بها عن المحاسن الممنوحة، فصار الظاهر من مدحه كذبا، والباطن من ذمه صدقا، وعند تقابلهما يكون الصدق ألزم الأمرين. وهذه خدعة لا يرتضيها عاقل ولا ينخدع بها مميز.

وليعلم أن المتقرب بالمدح يسرف مع القبول ويكف مع الإباء، فلا يغلبه حسن الظن على تصديق مدح هو أعرف بحقيقته ولتكن تهمة المادح أغلب عليه. فقل مدح كان جميعه صدقا، وقل ثناء كان له حقا. ولذلك كره أهل الفضل أن يطلقوا ألسنتهم بالثناء والمدح تحرزا من التجاوز فيه، وتنزيها عن التملق به. وقد روى مكحول قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تكونوا عيابين ولا تكونوا لعانين ولا متمادحين ولا متماوتين» .

وحكى الأصمعي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كان إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم

الصفحة السابقة الصفحة التالية