شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 243

دار مكتبة الحياة

إذا لم تتسع أخلاق قوم ... تضيق بهم فسيحات البلاد

إذا ما المرء لم يخلق لبيبا ... فليس اللب عن قدم الولاد

فإذا حسنت أخلاق الإنسان كثر مصافوه، وقل معادوه، فتسهلت عليه الأمور الصعاب، ولانت له القلوب الغضاب. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» . وقال بعض الحكماء: من سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. وسبب ذلك ما ذكرنا من كثرة الأصفياء المسعدين، وقلة الأعداء المجحفين.

ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون» . وحسن الخلق أن يكون سهل العريكة، لين الجانب، طليق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة. وقد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الأوصاف فقال: «أهل الجنة كل هين لين سهل طلق» . ولما ذكرنا من هذه الأوصاف حدودا مقدرة ومواضع مستحقة، ما قال الشاعر:

أصفو وأكدر أحيانا لمختبري ... وليس مستحسنا صفو بلا كدر

وليس يريد بالكدر الذي هو البذاء وشراسة الخلق، فإن ذلك ذم لا يستحسن وعيب لا يرتضي. وإنما يريد الكف والانقباض في موضع يلام فيه المساعد ويذم فيه الموافق، فإذا كانت لمحاسن الأخلاق حدود مقدرة ومواضع مستحقة فإن تجاوز بها الحد صارت ملقا وإن عدل بها عن مواضعها صارت نفاقا. والملق ذل، والنفاق لؤم، وليس لمن وسم بهما ود مبرور ولا أثر مشكور.

وقد روى حكيم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» . وروى مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون وجيها عند الله تعالى» . وقال سعيد بن عروة: لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر وعجز المخبر أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وذا قولين مختلفين. وقال الشاعر:

الصفحة السابقة الصفحة التالية