أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 252
دار مكتبة الحياة
أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
فالحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب؛ لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد.
وقد قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره. وحد الحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب. وهذا يكون عن باعث وسبب. وأسباب الحلم الباعثة على ضبط النفس عشرة: أحدها: الرحمة للجهال وذلك من خير يوافق رقة. وقد قيل في منثور الحكم: من أوكد الحلم رحمة الجهال.
وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - لرجل أسمعه كلاما: يا هذا لا تغرقن في سبنا، ودع للصلح موضعا، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله عز وجل فيه. وشتم رجل الشعبي فقال: إن كنت ما قلت فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك. واغتاظت عائشة - رضي الله عنها - على خادم لها ثم رجعت إلى نفسها فقالت: لله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء. وقسم معاوية - رضي الله عنه - قطافا فأعطى شيخا من أهل دمشق قطيفة فلم تعجبه، فحلف أن يضرب بها رأس معاوية. فأتاه فأخبره فقال له معاوية: أوف بنذرك وليرفق الشيخ بالشيخ.
والثاني: من أسبابه القدرة على الانتصار وذلك من سعة الصدر وحسن الثقة. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكرا للقدرة عليه» . وقال بعض الحكماء: ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعا من السطوة.
وقال بعض البلغاء: أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر.
والثالث: من أسبابه: الترفع عن السباب وذلك من شرف النفس وعلو الهمة. كما قالت الحكماء: شرف النفس أن تحمل المكاره كما
