أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 271
دار مكتبة الحياة
يكون عاما وإن كان أضرها؛ لأنه ليس يبغض كل الناس.
والثاني: أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه فيكره تقدمه فيه واختصاصه به، فيثير ذلك حسدا لولاه لكف عنه. وهذا أوسطها؛ لأنه لا يحسد الأكفاء من دنا، وإنما يختص بحسد من علا. وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها مع عجز فلذلك صارت حسدا.
والثالث: أن يكون في الحاسد شح بالفضائل، وبخل بالنعم وليست إليه فيمنع منها، ولا بيده فيدفع عنها؛ لأنها مواهب قد منحها الله من شاء فيسخط على الله عز وجل في قضائه، ويحسد على ما منح من عطائه، وإن كانت نعم الله عز وجل عنده أكثر، ومنحه عليه أظهر.
وهذا النوع من الحسد أعمها وأخبثها إذ ليس لصاحبه راحة، ولا لرضاه غاية، فإن اقترن بشر وقدرة كان بورا وانتقاما، وإن صادف عجزا ومهانة كان كمدا وسقاما.
وقد قال عبد الحميد: الحسود من الهم كساقي السم، فإن سرى سمه زال عنه غمه. واعلم أن بحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له. فإن كثر فضله كثر حساده، وإن قل قلوا؛ لأن ظهور الفضل يثير الحسد، وحدوث النعمة يضاعف الكمد. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «استعينوا على قضاء الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود» .
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ما كانت نعمة الله على أحد إلا وجد لها حاسدا، فلو كان الرجل أقوم من القدح لما عدم غامزا. وقد قال الشاعر:
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
وربما كان الحسد منبها على فضل المحسود ونقص الحسود، كما قال أبو تمام الطائي:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
