شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 294

دار مكتبة الحياة

بها إذا أقبلت مشوب بالحذر من فراقها إذا أدبرت، وأنها لا تفرح بإقبالها فرحا حتى تعقب بفراقها ترحا، فعلى قدر السرور يكون الحزن. وقد قيل في منثور الحكم: المفروح به هو المحزون عليه. وقيل: من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره.

وقال بعض الحكماء: من علم أن كل نائبة إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول البلاء. وقيل للحسن البصري - رحمه الله -: كيف ترى الدنيا؟ قال: شغلني توقع بلائها عن الفرح برخائها. فأخذه أبو العتاهية فقال:

تزيده الأيام إن أقبلت ... شدة خوف لتصاريفها

كأنها في حال إسعافها ... تسمعه وقع تخويفها

ومنها: أن يعلم أن سروره مقرون بمساءة غيره، وكذلك حزنه مقرون بسرور غيره. إذ كانت الدنيا تنقل من صاحب إلى صاحب، وتصل صاحبا بفراق صاحب. فتكون سرورا لمن وصلته وحزنا لمن فارقته. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما قرعت عصا على عصا إلا فرح لها قوم وحزن آخرون» . وقال البحتري:

متى أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا ترتقب إلا خمول نبيه

وقال المتنبي:

بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد

وأنشد بعض أهل الأدب:

ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانب

فلا تفرحن منها لشيء تفيده ... سيذهب يوما مثل ما أنت ذاهب

وما هذه الأيام إلا فجائع ... وما العيش واللذات إلا مصائب

ومنها: أن يعلم أن طوارق الإنسان من دلائل فضله، ومحنه من

الصفحة السابقة الصفحة التالية