شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 303

دار مكتبة الحياة

برأيه، وما هلك أحد عن مشورة، فإذا أراد الله بعبد هلكة كان أول ما يهلكه رأيه» . وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه. وقال لقمان الحكيم لابنه: شاور من جرب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه مجانا.

وقال بعض الحكماء: نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي. وقال بعض الأدباء: من استغنى برأيه ضل، ومن اكتفى بعقله زل. وقال بعض البلغاء: الخطأ مع الاسترشاد أحمد من الصواب مع الاستبداد. وقال الشاعر:

خليلي ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا علي بالذي تريان

ولا ينبغي أن يتصور في نفسه أنه إن شاور في أمره ظهر للناس ضعف رأيه، وفساد رويته، حتى افتقر إلى رأي غيره. فإن هذه معاذير النوكى وليس يراد الرأي للمباهاة به وإنما يراد للانتفاع بنتيجته والتحرز من الخطأ عند زلله. وكيف يكون عارا ما أدى إلى صواب وصد عن خطأ.

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لقحوا عقولكم بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة» . وقال بعض الحكماء: من كمال عقلك استظهارك على عقلك. وقال بعض البلغاء: إذا أشكلت عليك الأمور وتغير لك الجمهور فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد. فلأن تسأل وتسلم خير لك من أن تستبد وتندم. وينبغي أن تكثر من استشارة ذوي الألباب لا سيما في الأمر الجليل فقلما يضل عن الجماعة رأي، أو يذهب عنهم صواب، لإرسال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة فلا يعزب عنها ممكن ولا يخفى عليها جائز.

وقد قيل في منثور الحكم: من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا، وعند الخطأ عاذرا، وإن كان الخطأ من الجماعة بعيدا. فإذا استشار الجماعة فقد اختلف أهل الرأي في اجتماعهم عليه وانفراد كل واحد منهم به.

فمذهب الفرس أن الأولى اجتماعهم على الارتياء وإجالة الفكر ليذكر كل واحد منهم ما قدحه خاطره، وأنتجه فكره

الصفحة السابقة الصفحة التالية