شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 307

دار مكتبة الحياة

الأضالع فهو مكشوف ضائع. وقال بعض الشعراء، وهو أنس بن أسيد:

ولا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا

فإني رأيت وشاة الرجال ... لا يتركون أديما صحيحا

وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه، ومنع من نيل مطالبه، ولو كتمه كان من سطوته آمنا، وفي عواقبه سالما، ولنجاح حوائجه راجيا.

وقال أنوشروان: من حصن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السطوات. وإظهار الرجل سر غيره أقبح من إظهاره سر نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى وصمتين: الخيانة إن كان مؤتمنا، أو النميمة إن كان مستودعا. فأما الضرر فربما استويا فيه وتفاضلا. وكلاهما مذموم، وهو فيهما ملوم. وفي الاسترسال بإبداء السر دلائل على ثلاثة أحوال مذمومة: إحداها: ضيق الصدر، وقلة الصبر، حتى أنه لم يتسع لسر، ولم يقدر على صبر.

وقال الشاعر:

إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق

إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق

والثانية: الغفلة عن تحذر العقلاء، والسهو عن يقظة الأذكياء. وقد قال بعض الحكماء: انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزل، ولا جاهلا فيخون. والثالثة: ما ارتكبه من الغدر، واستعمله من الخطر. وقال بعض الحكماء: سرك من دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته.

واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم. فليختر العاقل لسره أمينا إن لم يجد إلى كتمه سبيلا، وليتحر في اختيار من يأتمنه عليه ويستودعه إياه. فليس كل من كان على الأموال أمينا كان على الأسرار مؤتمنا. والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه ببادرة لسانه، وسقط كلامه، ويشح باليسير من ماله، حفظا له وضنا به، ولا يرى ما أذاع من سره كبيرا في جنب ما حفظه من يسير ماله مع عظم الضرر الداخل

الصفحة السابقة الصفحة التالية