أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 309
دار مكتبة الحياة
ظفر بسر من فرط الإدلال وكثرة الاستطالة، ما إن لم يحجزه عنه عقل ولم يكفه عنه فضل، كان أشد من ذل الرق وخضوع العبد. وقد قال بعض الحكماء: من أفشى سره كثر عليه المتأمرون. فإذا اختار وأرجو أن يوفق للاختيار، واضطر إلى استيداع سره وليته كفي الاضطرار، وجب على المستودع له أداء الأمانة فيه بالتحفظ والتناسي له حتى لا يخطر له ببال ولا يدور له في خلد. ثم يرى ذلك حرمة يرعاها ولا يدل إدلال اللئام.
وحكي أن رجلا أسر إلى صديق له حديثا ثم قال: أفهمت؟ قال: بل جهلت. قال: أحفظت؟ قال: بل نسيت. وقيل لرجل: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد الخبر وأحلف للمستخبر.
وقال بعض الشعراء:
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع على الأسرار والخبر
لكنت أول من ينسى سرائره ... إذا كنت من نشرها يوما على خطر
وحكي أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال ابنه:
ومستودعي سرا تضمنت سره ... فأودعته من مستقر الحشى قبرا
ولكنني أخفيه عني كأنني ... من الدهر يوما ما أحطت به خبرا
وما السر في قلبي كميت بحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر النشرا
الفصل الخامس في المزاح والضحك
المزاح والضحك الفصل الخامس في المزاح والضحك: اعلم أن للمزاح إزاحة عن الحقوق، ومخرجا إلى القطيعة والعقوق، يصم المازح ويؤذي الممازح. فوصمة المازح أن يذهب عنه الهيبة والبهاء، ويجري عليه الغوغاء والسفهاء.
وأما أذية الممازح فلأنه معقوق بقول كريه وفعل ممض إن أمسك عنه أحزن قلبه، وإن قابل عليه جانب أدبه. فحق على العاقل أن يتقيه وينزه نفسه عن وصمة مساوئه.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
