أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 333
دار مكتبة الحياة
يملك، وإن أجيب فإلى ما لا يستحق.
فقد قال النمر بن تولب:
لا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب
والرابع: أن يعتمد على سؤال من كان للمسألة أهلا، وكان النجح عنده مأمولا، فإن ذوي المكنة كثير والمعين منهم قليل. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخير كثير وقليل فاعله» . والمرجو للإجابة من تكاملت فيه خصالها وهي ثلاث: إحداهن: كرم الطبع فإن الكريم مساعد، واللئيم معاند. وقد قيل: المخذول من كانت له إلى اللئام حاجة.
والثانية: سلامة الصدر فإن العدو إلب على نكبتك، وحرب في نائبتك. وقد قيل: من أوغرت صدره استدعيت شره، فإن رق لك بكرم طبعه، ورحمك بحسن ظفره، فأعظم بها منحة أن يصير عدوك لك راحما.
وقد قال الشاعر:
وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا
والخامس: ظهور المكنة فإن من سأل ما لا يمكن فقد أحال، وكان كمستنهض المسجون، ومستسعف المديون، وكان بالرد خليقا، وبالحرمان حقيقا. وقد قال علي كرم الله وجهه: من لا يعرف لا حتى يقال له لا فهو أحمق.
ووصى عبد الله بن الأهتم ابنه فقال: يا بني لا تطلب الحوائج من غير أهلها، ولا تطلبها في غير حينها، ولا تطلب ما لست له مستحقا فإنك إن فعلت ذلك كنت حقيقا بالحرمان. وقال الشاعر:
ولا تسألن امرأ حاجة ... يحاول من ربه مثلها
فيترك ما كنت حملته ... ويبدأ بحاجته قبلها
فهذا ما يختص بشروط المروءة في نفسه.
وأما شروط المروءة في غيره فثلاثة: المؤازرة والمياسرة والإفضال. أما المؤازرة فنوعان: أحدهما: الإسعاف بالجاه، والثاني الإسعاف في النوائب. فأما الإسعاف بالجاه فقد يكون من الأعلى قدرا، والأنفذ
