شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 46

دار مكتبة الحياة

وقال كعب بن زهير بن أبي سلمى:

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر

على أن العلم والعقل سعادة وإقبال، وإن قل معهما المال، وضاقت معهما الحال.

والجهل والحمق حرمان وإدبار وإن كثر معهما المال، واتسعت فيهما الحال؛ لأن السعادة ليست بكثرة المال فكم من مكثر شقي ومقل سعيد. وكيف يكون الجاهل الغني سعيدا والجهل يضعه. أم كيف يكون العالم الفقير شقيا والعلم يرفعه؟ وقد قيل في منثور الحكم: كم من ذليل أعزه علمه، ومن عزيز أذله جهله. وقال عبد الله بن المعتز: الجاهل كروضة على مزبلة.

وقال بعض الحكماء: كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا. وقال بعض العلماء لبنيه: يا بني تعلموا العلم فإن لم تنالوا به من الدنيا حظا فلأن يذم الزمان لكم أحب إلي من أن يذم الزمان بكم. وقال بعض الأدباء: من لم يفد بالعلم مالا كسب به جمالا، وأنشد بعض أهل الأدب لابن طباطبا:

حسود مريض القلب يخفي أنينه ... ويضحى كئيب البال عندي حزينه

يلوم علي أن رحت للعلم طالبا ... أجمع من عند الرواة فنونه

فأعرف أبكار الكلام وعونه ... وأحفظ مما أستفيد عيونه

ويزعم أن العلم لا يكسب الغنى ... ويحسن بالجهل الذميم ظنونه

فيا لائمي دعني أغالي بقيمتي ... فقيمة كل الناس ما يحسنونه

وأنا أستعيذ بالله من خدع الجهل المذلة، وبوادر الحمق المضلة. وأسأله السعادة بعقل رادع يستقيم به من زل، وعلم نافع يستهدي به من ضل. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا استرذل الله عبدا حظر عليه العلم.

فينبغي لمن زهد في العلم أن يكون فيه راغبا ولمن رغب فيه أن يكون له طالبا، ولمن طلبه أن يكون منه مستكثرا، ولمن استكثر منه أن يكون به عاملا، ولا يطلب لتركه احتجاجا ولا للتقصير فيه عذرا.

وقد قال الشاعر:

الصفحة السابقة الصفحة التالية