أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 348
دار مكتبة الحياة
قد كفى المتأخر تكلفها، وإنما حظ الأخير أن يتعانى حفظ الشارد وجمع المفترق. ثم يعرض ما تقدم على حكم زمانه، وعادات وقته، فيثبت ما كان موافقا، وينفي ما كان مخالفا، ثم يستمد خاطره في استنباط زيادة واستخراج فائدة فإن أسعف بشيء فاز بدركه، وحظي بفضيلته، ثم يعبر عن ذلك كله بما كان مألوفا من كلام الوقت وعرف أهله فإن لأهل كل وقت في الكلام عادة تؤلف، وعبارة تعرف؛ ليكون أوقع في النفوس وأسبق إلى الأفهام.
ثم يرتب ذلك على أوائله ومقدماته، ويثبته على أصوله وقواعده حسبما يقتضيه الجنس فإن لكل نوع من العلوم طريقة هي أوضح مسلكا وأسهل مأخذا. فهذه خمسة شروط هي حظ الأخير فيما يعانيه. وكذلك القول في كل تصنيف مستحدث ولولا ذلك لكان تعاطي ما تقدم به الأول عناء ضائعا وتكلفا مستهجنا. ونرجو الله أن يمدنا بالتوفيق لتأدية هذه الشروط، وتنهضنا المعونة بتوفية هذه الحقوق، حتى نسلم من ذم التكلف ونبرأ من عيوب التقصير، وإن كان اليسير مغفورا والخاطئ معذورا.
فقد قيل: من صنف كتابا فقد استهدف فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف. وقد مضت أبواب تضمنت فصولا رأيت إتباعها بما لم أحب الإخلال به. فمن ذلك حال الإنسان في مأكله ومشربه فإن الداعي إلى ذلك شيئان: حاجة ماسة وشهوة باعثة. فأما الحاجة فتدعو إلى ما سد الجوع وسكن الظمأ. وهذا مندوب إليه عقلا وشرعا؛ لما فيه من حفظ النفس وحراسة الجسد.
ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال بين صوم اليومين؛ لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويعجز عن العبادة. وكل ذلك يمنع منه الشرع ويدفع عنه العقل، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر، ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرمها من فعل الطاعات بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا، إذ ليس في ترك المباح ثواب يقابل فعل الطاعات، وإتيان القرب، ومن أخسر نفسه ربحا موفورا، أو أحرمها أجرا مذخورا، كان زهده في الخير أقوى من رغبته ولم يبق عليه من هذا التكليف إلا الشهوة بريائه وسمعته.
وأما الشهوة فتتنوع نوعين: شهوة في الإكثار والزيادة
