شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 49

دار مكتبة الحياة

ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى والبينات، أو يحب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات فيصير موسوما بجهل ما يعاني.

فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره، وأدرك منه مشهوره، ولم ير ما بقي منه إلا غامضا طلبه عناء، وغويصا استخراجه فناء؛ لقصور همته على ما أدرك، وانصرافها عما ترك.

ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك؛ لأن بعض العلم مرتبط ببعض، ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها.

وقد يصح قيام الأوائل بأنفسها فيصير طلب الأواخر بترك الأوائل تركا للأوائل والأواخر فإذن ليس يعرى من لوم وإن كان تارك الآخر ألوم.

ومنها: أن يحب الاشتهار بالعلم إما لتكسب أو لتجمل فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر.

ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه؛ ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق، ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصا. ولقد رأيت من هذه الطبقة عددا قد تحققوا بالعلم تحقق المتكلفين، واشتهروا به اشتهار المتبحرين. إذا أخذوا في مناظرة الخصوم ظهر كلامهم، وإذا سئلوا عن واضح مذهبهم ضلت أفهامهم، حتى إنهم ليخبطون في الجواب خبط عشواء فلا يظهر لهم صواب، ولا يتقرر لهم جواب.

ولا يرون ذلك نقصا إذا نمقوا في المجالس كلاما موصوفا، ولفقوا على المخالف حجابا مألوفا. وقد جهلوا من المذاهب ما يعلم المبتدئ ويتداوله الناشئ. فهم دائما في لغط مضل، أو غلط مذل ورأيت قوما منهم يرون الاشتغال بالمذاهب تكلفا، والاستكثار منه تخلفا.

وحاجني بعضهم عليه فقال: لأن علم حافظ المذاهب مستور، وعلم المناظر عليه مشهور. فقلت: فكيف يكون علم حافظ المذهب مستورا وهو سريع عليه الجواب، كثير الصواب؟ فقال: لأنه إن لم يسأل سكت فلم يعرف، والمناظر إن لم يسأل سائل يعرف. فقلت: أليس إذا سئل الحافظ فأصاب بان فضله؟ قال: نعم. قلت: أفليس إذا سئل المناظر فأخطأ بان نقصه، وقد قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو

الصفحة السابقة الصفحة التالية