أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 51
دار مكتبة الحياة
الأحنف: الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا. ولعمري لقد فحص الأحنف عن المعنى ونبه على العلة؛ لأن قواطع الكبير كثيرة: فمنها: ما ذكرنا من الاستحياء. وقد قيل في منثور الحكم: من رق وجهه رق علمه. وقال الخليل بن أحمد: يرتع الجهل بين الحياء والكبر في العلم.
ومنها: وفور شهواته وتقسم أفكاره. وقال الشاعر:
صرف الهوى عن ذي الهوى عزيز ... إن الهوى ليس له تمييز
وقال بعض البلغاء: إن القلب إذا علق كالرهن إذا غلق.
ومنها: الطوارق المزعجة والهموم المذهلة. وقد قيل في منثور الحكم: الهم قيد الحواس. وقال بعض البلغاء: من بلغ أشده لاقي من العلم أشده.
ومنها: كثرة اشتغاله وترادف حالاته حتى أنها تستوعب زمانه وتستنفد أيامه. فإذا كان ذا رئاسة ألهته، وإن كان ذا معيشة قطعته. ولذلك قيل: تفقهوا قبل أن تسودوا. وقال بزرجمهر: الشغل مجهدة والفراغ مفسدة.
فينبغي لطالب العلم أن لا يني في طلبه وينتهز الفرصة به، فربما شح الزمان بما سمح وضن بما منح. ويبتدئ من العلم بأوله ويأتيه من مدخله ولا يتشاغل بطلب ما لا يضر جهله فيمنعه ذلك من إدراك ما لا يسعه جهله.
فإن لكل علم فصولا مذهلة وشذورا مشغلة، إن صرف إليها نفسه قطعته عما هو أهم منها. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كل شيء أحسنه.
وقال المأمون: ما لم يكن العلم بارعا فبطون الصحف أولى به من قلوب الرجال. وقال بعض الحكماء: بترك ما لا يعنيك تدرك ما يغنيك. ولا ينبغي أن يدعوه ذلك إلى ترك ما
