أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 55
دار مكتبة الحياة
وأما اللغز فهو تحري أهل الفراغ وشغل ذوي البطالة؛ ليتنافسوا في تباين قرائحهم، ويتفاخروا في سرعة خواطرهم، فيستكدوا خواطر قد منحوا صحتها فيما لا يجدي نفعا ولا يفيد علما، كأهل الصراع الذين قد صرفوا ما منحوه من صحة أجسامهم إلى صراع كدود يصرع عقولهم ويهد أجسامهم ولا يكسبهم حمدا ولا يجدي عليهم نفعا. انظر إلى قول الشاعر:
رجل مات وخلف رجلا ... ابن أم ابن أبي أخت أبيه
معه أم بني أولاده ... وأبا أخت بني عم أخيه
أخبرني عن هذين البيتين وقد روعك صعوبة ما تضمنهما من السؤال.
إذا استكديت الفكر في استخراجه فعلمت أنه أراد ميتا خلف أبا وزوجة وعما، ما الذي أفادك من العلم ونفى عنك من الجهل؟ ألست بعد علمه تجهل ما كنت جاهلا من قبله؟ ولو أن السائل قلب لك السؤال فأخر ما قدم وقدم ما أخر لكنت في الجهل به قبل استدراجه كما كنت في الجهل الأول وقد كددت نفسك، وأتعبت خاطرك ثم لا تعدم أن يرد عليك مثل هذا مما تجهله فتكون فيه كما كنت قبله. فاصرف نفسك - تولى الله رشدك - عن علوم النوكى وتكلف البطالين. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
ثم اجعل ما من الله به عليك من صحة القريحة وسرعة الخاطر مصروفا إلى علم ما يكون إنفاق خاطرك فيه مذخورا، وكد فكرك فيه مشكورا. وقد روى سعيد بن أبي هند عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» . ونحن نستعيذ بالله من أن نغبن بفضل نعمته علينا، ونجهل نفع إحسانه إلينا. وقد قيل في منثور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة. وقال بعض البلغاء: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله أو حمد حصله، أو خير أسسه أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه. وقال بعض الشعراء:
لقد أهاج الفراغ عليك شغلا ... وأسباب البلاء من الفراغ
