شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أدب الدنيا والدين

الماوردي • الأدب • ج1 ص 19

دار مكتبة الحياة

يكون العقل جوهرا. وقال آخرون: العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعنى. وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فبعيد من الصواب من وجه واحد وهو أن الإدراك من صفات الحي، والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون متلذذا أو آلما أو مشتهيا.

وقال آخرون من المتكلمين العقل هو جملة علوم ضرورية وهذا الحد غير محصور لما تضمنه من الإجمال، ويتأوله من الاحتمال. والحد إنما هو بيان المحدود بما ينفي عنه الإجمال والاحتمال. وقال آخرون، وهو القول الصحيح: إن العقل هو العلم بالمدركات الضرورية. وذلك نوعان:

أحدهما ما وقع عن درك الحواس.

والثاني: ما كان مبتدئا في النفوس.

فأما ما كان واقعا عن درك الحواس فمثل المرئيات المدركة بالنظر، والأصوات المدركة بالسمع، والطعوم المدركة بالذوق، والروائح المدركة بالشم، والأجسام المدركة باللمس، فإذا كان الإنسان ممن لو أدرك بحواسه هذه الأشياء ثبت له هذا النوع من العلم؛ لأن خروجه في حال تغميض عينيه من أن يدرك بهما ويعلم لا يخرجه من أن يكون كامل العقل من حيث علم من حاله أنه لو أدرك لعلم.

وأما ما كان مبتدئا في النفوس فكالعلم بأن الشيء لا يخلو من وجود أو عدم، وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم، وأن من المحال اجتماع الضدين، وأن الواحد أقل من الاثنين. وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي عن العاقل مع سلامة حاله، وكمال عقله، فإذا صار عالما بالمدركات الضرورية من هذين النوعين فهو كامل العقل وسمي بذلك تشبيها بعقل الناقة؛ لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت، كما يمنع العقل الناقة من الشرود إذا نفرت.

ولذلك قال عامر بن قيس: إذا عقلك عقلك عما لا ينبغي فأنت عاقل. وقد جاءت السنة بما يؤيد هذا القول في العقل وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «العقل نور في القلب يفرق بين الحق والباطل» . وكل من نفى أن يكون العقل جوهرا أثبت محله في القلب؛ لأن القلب محل العلوم كلها. قال الله تعالى:

الصفحة السابقة الصفحة التالية