أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 73
دار مكتبة الحياة
إلى من فوقك من العلماء، وأنشدت لابن العميد:
من شاء عيشا هنيئا يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرن إلى من فوقه أدبا ... ولينظرن إلى من دونه مالا
وقلما تجد بالعلم معجبا وبما أدرك مفتخرا، إلا من كان فيه مقلا ومقصرا؛ لأنه قد يجهل قدره، ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره.
فأما من كان فيه متوجها ومنه مستكثرا فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته، ما يصده عن العجب به.
وقد قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار فمن نال منه شبرا شمخ بأنفه وظن أنه ناله. ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله، وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحد أبدا. ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واستكمل وكدت أعجب به وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعا بعلمه، حضرني، وأنا في مجلسي أعرابيان فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جوابا، فأطرقت مفكرا، وبحالي وحالهما معتبرا فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا: واها لك، وانصرفا. ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما وانصرفا عنه راضيين بجوابه حامدين لعلمه، فبقيت مرتبكا، وبحالهما وحالي معتبرا وإني لعلى ما كنت عليه من المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة تذلل بها قياد النفس، وانخفض لها جناح العجب، توفيقا منحته ورشدا أوتيته.
وحق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن. فقديما نهى الناس عنهما، واستعاذوا بالله منهما.
ومن أوضح ذلك بيانا استعاذة الجاحظ في كتاب البيان حيث يقول: اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من شر العي والحصر. ونحن نستعيذ
