أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 75
دار مكتبة الحياة
رشدا} [الكهف: 66] وقيل للخليل بن أحمد: بم أدركت هذا العلم؟ قال: كنت إذا لقيت عالما أخذت منه، وأعطيته.
وقال بزرجمهر: من العلم أن لا تحتقر شيئا من العلم، ومن العلم تفضيل جميع العلم وقال المنصور لشريك: أنى لك هذا العلم؟ قال: لم أرغب عن قليل أستفيده، ولم أبخل بكثير أفيده.
على أن العلم يقتضي ما بقي منه ويستدعي ما تأخر عنه، وليس للراغب فيه قناعة ببعضه.
وروى عون بن عبد الله عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا. أما طالب العلم فإنه يزداد للرحمن رضى، ثم قرأ {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] . وأما طالب الدنيا فإنه يزداد طغيانا ثم قرأ: {كلا إن الإنسان ليطغى} [العلق: 6] {أن رآه استغنى} [العلق: 7]
وليكن مستقلا للفضيلة منه ليزداد منها، ومستكثرا للنقيصة فيه لينتهي عنها، ولا يقنع من العلم بما أدرك؛ لأن القناعة فيه زهد، وللزهد فيه ترك، والترك له جهل.
وقد قال بعض الحكماء: عليك بالعلم والإكثار منه فإن قليله أشبه شيء بقليل الخير، وكثيره أشبه شيء بكثيره، ولن يعيب الخير إلا القلة، فأما كثرته فإنها أمنية.
وقال بعض البلغاء: من فضل علمك استقلالك لعلمك، ومن كمال عقلك استظهارك على عقلك. ولا ينبغي أن يجهل من نفسه مبلغ علمها، ولا يتجاوز بها قدر حقها. ولأن يكون بها مقصرا فيذعن بالانقياد، أولى من أن يكون بها مجاوزا، فيكف عن الازدياد؛ لأن من جهل حال نفسه كان لغيرها أجهل.
وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: «يا رسول الله، متى يعرف الإنسان ربه؟ قال: إذا عرف نفسه» . وقد قسم الخليل بن أحمد أحوال الناس فيما علموه أو جهلوه أربعة أقسام متقابلة لا يخلو الإنسان منها فقال: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك ناس فذكروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد
