أدب الدنيا والدين
الماوردي • الأدب • ج1 ص 89
دار مكتبة الحياة
قسمين: قسما إثباتا، وقسما نفيا. فأما الإثبات فإثبات توحيده، وصفاته، وإثبات بعثته رسله، وتصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به.
وأما النفي فنفي الصاحبة، والولد، والحاجة، والقبائح أجمع. وهذان القسمان أول ما كلفه العاقل وجعل ما أمرهم بفعله ثلاثة أقسام: قسما على أبدانهم كالصلاة والصيام، وقسما في أموالهم كالزكاة والكفارة، وقسما على أموالهم وأبدانهم كالحج والجهاد، ليسهل عليهم فعله ويخف عنهم أداؤه نظرا منه تعالى لهم، وتفضلا منه عليهم. وجعل ما أمرهم بالكف عنه ثلاثة أقسام: قسما لإحياء نفوسهم وصلاح أبدانهم، كنهيه عن القتل، وأكل الخبائث والسموم، وشرب الخمور المؤدية إلى فساد العقل وزواله. وقسما لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه عن الغضب، والغلبة، والظلم، والسرف المفضي إلى القطيعة، والبغضاء. وقسما لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم، كنهيه عن الزنا ونكاح ذوات المحارم. فكانت نعمته فيما حظره علينا كنعمته فيما أباحه لنا، وتفضله فيما كفنا عنه كتفضله فيما أمرنا به.
فهل يجد العاقل في رويته مساغا أن يقصر فيما أمر به وهو نعمة عليه، أو يرى فسحة في ارتكاب ما نهى عنه وهو تفضل منه عليه؟ وهل يكون من أنعم عليه بنعمة فأهملها، مع شدة فاقته إليها، إلا مذموما في العقل مع ما جاء من وعيد الشرع؟
ثم من لطفه بخلقه وتفضله على عباده أن جعل لهم من جنس كل فريضة نفلا، وحمل لها من الثواب قسطا، وندبهم إليه ندبا، وجعل لهم بالحسنة عشرا ليضاعف ثواب فاعله، ويضع العقاب عن تاركه. ومن لطيف حكمته أن جعل لكل عبادة حالتين: حالة كمال وحالة جواز، رفقا منه بخلقه لما سبق في علمه أن فيهم العجل المبادر والبطيء المتثاقل، ومن لا صبر له على أداء الأكمل ليكون ما أخل به من هيئات عبادته غير قادح في فرض، ولا مانع من أجر، فكان ذلك من نعمه علينا وحسن نظره إلينا.
وكان أول ما فرض بعد تصديق نبيه - صلى الله عليه وسلم - عبادات الأبدان، وقد قدمها على ما يتعلق بالأموال؛ لأن النفوس على الأموال أشح
