شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الآداب الشرعية — ج 1

ابن مفلح • الأذكار والآداب • ج1 ص219

عالم الكتب

وقال أيضا في كتابه السر المصون: مثل المحب للعلم مثل العاشق، فإن العاشق يهتم بمعشوقه، ويهيم به، وكذلك المحب للعلم، فكما أن العاشق يبيع أملاكه، وينفقها على معشوقه فيفتقر كذلك محب العلم فإنه يستغرق في طلبه العمر فيذهب ماله، ولا يتفرغ للكسب، فإذا احتاج دخل في مداخل صعبة، فمنهم من يتعلق بالسلاطين إما أن يدخل في أشغالهم، أو يطلب منهم ومن العلماء من يطلب من العوام البخلاء، ومنهم من يرجع عن الجد في العلم إلى الكسب.

وقد كان للعلماء قديما حظ من بيت المال يغنيهم، وكان فيهم من يعيش في ظل سلطان كأبي عبيد مع ابن طاهر، والزجاج مع ابن وهب، ثم كان للعلماء من يراعيهم من الإخوان حتى قال ابن المبارك: لولا فلان وفلان ما اتجرت، وكان يبعث بالمال إلى الفضيل وغيرهم، ثم قال ذلك المعنى فصار أقوام من التجار يفتقدون العلماء بالزكاة فيندفع الزمان، وقد وصلنا إلى زمان تقطعت فيه هذه الأسباب حتى لو احتاج العالم فطلب لم يعط، فأولى الناس بحفظ المال وتنمية اليسير منه والقناعة بقليله توفيرا لحفظ الدين والجاه، والسلامة من منن العوام الأراذل العالم الذي فيه دين وله أنفة من الذل.

وقد قال منصور بن المعتمر: إن الرجل ليسقيني شربة من ماء فكأنه دق ضلعا من أضلاعي، وقد كان أقوام في الجاهلية إذا افتقروا لا يرون سؤال الناس فيخرجون إلى جبل فيموتون فيه. فإذا اتفق للعالم عائلة، وحاجات وكفت أكف الناس عنه، ومنعته أنفته من الذل هلك، فالأولى لمثل هذا (العالم) في هذا الزمان المظلم أن يجتهد في كسب إن قدر عليه، وإن أمكنه نسخ بأجرة، ويدبر ما يحصل له، ويدخر الشيء لحاجة تعرض لئلا يحتاج إلى نذل.

وقد يتفق للعالم مرفق، فينفق، ولا يدخر عملا بمقتضى الحال ونسيانا لما يجوز وقوعه من انقطاع المرفق وطبعا في نفسه من البذل والكرم، فيخرج ما في يده فينقطع مرفقه فيلاقي من الضرر، أو من الذل ما يكون الموت دونه.

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية