شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بدائع الفوائد

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج1 ص116

دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان

في تحريف الآية عن مواضعها إفراد السماء وجمعها وكذا قال الله تعالى: {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء} بخلاف قوله في سبأ: {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} فإن قبلها ذكر سبحانه سعة ملكه ومحله وهو السماوات كلها والأرض ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس وتأمل كيف أتت مجموعة في قوله تعالى: {وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم} فإنها أتت مجموعة هنا لحكمة ظاهرة وهي تعلق الظرف بما في اسمه تبارك وتعالى من معنى الإلهية فالمعنى وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة من السماوات ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الإقتصار على لفظ الجنس الواحد ولما عزب هذا المعنى عن فهم بعض المتسننة فسر الآية بما لا يليق بها فقال الوقف التام على السماوات ثم يبتديء بقوله وفي الأرض يعلم وغلط في فهم الآية وأن معناها ما أخبرتك به وهو قول محققي أهل التفسير وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} إرادة لهذين الجنسين أي رب كل ما علا وكل ما سفل فلما كان المراد عموم ربوبيته أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمى سماء وكل ما يسمى أرضا وهو أمر حقيقي لا يتبدل ولا يتغير وإن تبدلت عين السماء والأرض فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} في جميع الصور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم ونظير هذا جمعها في قوله: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون} وكذلك جاءت في قوله: {تسبح له السماوات السبع} مجموعة إخبارا بأنها تسبح له بذواتها وأنفسها على اختلاف عددها وأكد هذا المعنى بوصفها بالعدد ولم يقتصر على السماوات فقط بل قال: {السبع} وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة وكلاهما في هذه الجهة لا أنهما في كل واحدة واحدة من

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية