شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بدائع الفوائد

ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص19

دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان

ولما جاء إلى ذكر المرض قال وإذا مرضت ولم يقل أمرضني وقال فهو يشفين ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} فنسبوا إرادة الرشد إلى الرب وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول ومنه قول الخضر عليه الصلاة والسلام في السفينة: {فأردت أن أعيبها} فأضاف العيب إلى نفسه وقال في الغلامين: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} ومنه قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: {وأحل الله البيع وحرم الربا} لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل ومنه: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} وقوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} إلى آخرها ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} إلى آخرها ثم قال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وتأمل قوله: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} كيف صرح بفاعل التحريم في هذا الموضع وقال في حق المؤمنين: {حرمت عليكم الميتة والدم} الفائدة الثانية: أن الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها وأصل الشكر ذكر المنعم والعمل بطاعته وكان من شكره إبراز الضمير المتضمن لذكره تعالى الذي هو أساس الشكر وكان في قوله: {أنعمت عليهم} من ذكره وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} الفائدة الثالثة: أن النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشرك أحد في نعمته فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال أنعمت عليهم أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة وأما الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربهم عليهم فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية