بدائع الفوائد
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص37
دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان
يطير بجناحيه بل جعلها أمما وهداها إلى غاياتها ومصالحها وكيف لا يهديكم إلى كمالكم ومصالحكم فهذه أحد أنواع الهداية وأعمها النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك وهذه الهداية لا تستلزم الهدى التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينبغي الهدى معها كقوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} أي بينا لهم وأرشدناهم ودللناهم فلم يهتدوا ومنها قوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للاهتداء فلا يتخلف عنها وهي المذكورة في قوله: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وفي قوله: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له " رواه مسلم وأحمد والبيهقي وفي قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} النوع الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سيق أهلهما إليهما قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} وقال أهل الجنة فيها: {الحمد لله الذي هدانا لهذا} وقال تعالى عن أهل النار: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} إذا عرف هذا فالهداية المسئولة في قوله: {الصراط المستقيم} إنما تتناول المرتبة الثانية والثالثة خاصة فهي طلب التعريف والبيان والإرشاد والتوفيق والإلهام طلب التعريف والبيان والتوفيق فإن قيل: كيف يطلب التعريف والبيان وهو حاصل له وكذلك الإلهام والتوفيق قلنا: لقد أجيب عنها بأن المراد التثبيت ودوام الهداية واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد ستة أمور هو محتاج إليها حاجة
#