بدائع الفوائد
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج3 ص15
دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان
فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهي عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله.
ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلا وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله.
ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فصل: تكرار الأمر بالدعاء.
وقوله تعالى: {وادعوه خوفا وطمعا} إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكر معه من الخوف والطمع فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضا خوفا وطمعا وفصل بين الجملتين إحداهما خبرية ومتضمنة للنهي وهي قوله: {إنه لا يحب المعتدين} والثانية طلبية وهي قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} والجملتان مقررتان مقويتان للجملة الأولى مؤكدتان لمضمونها. ثم لما ثم تقريرها تقدم وبيان ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفا وطمعا ثم قرر ذلك وأكد مضمونة بجملة خبرية وهي {إن رحمت الله قريب من المحسنين} فتعلق هذه الجملة بقوله وادعواه خوفا وطمعا كتعلق قوله: {إنه لا يحب المعتدين} بقوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} ولما كان قوله تعالى: {وادعوه خوفا وطمعا} مشتملا على جميع مقامات الإيمان والإحسان وهي الحب والخوف والرجاء عقبها بقوله: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} أي إنما ينال من دعاة خوفا وطمعا فهو المحسن والرحمة قريب منه لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله:
#