معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 1
البغوي • التفسير • ج1 ص135
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
التوبة) أي تركوه فتركهم وقيل {ننسها} أي: نأمر بتركها، يقال: أنسيت الشيء إذا أمرت بتركه، فيكون النسخ الأول من رفع الحكم وإقامة غيره مقامه، والإنساء يكون ناسخا من غير إقامة غيره مقامه.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها بفتح النون الأول والسين مهموزا أي نؤخرها فلا نبدلها يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله، وفي معناه قولان: أحدهما: نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كما فعل في آية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم، والقول الثاني: قال سعيد بن المسيب وعطاء: أما ما نسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة أو ننسأها أي نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ ولا تنزل.
{نأت بخير منها} أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم، لا أن آية خير من آية، لأن كلام الله واحد وكله خير {أو مثلها} في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} من النسخ والتبديل، لفظه استفهام، ومعناه تقرير، أي: إنك تعلم.
{ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم} يا معشر الكفار عند نزول العذاب {من دون الله} مما سوى الله {من ولي} قريب وصديق وقيل: من وال وهو القيم بالأمور {ولا نصير} ناصر يمنعكم من العذاب.
قوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة فقال تعالى {أم تريدون} يعني أتريدون فالميم صلة وقيل: بل تريدون أن تسألوا رسولكم محمدا صلى الله عليه وسلم {كما سئل موسى من قبل} سأله قومه: أرنا الله جهرة وقيل: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا (1) ، كما أن موسى سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة ففيه منعهم عن السؤالات المقبوحة بعد ظهور الدلائل والبراهين {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} يستبدل الكفر بالإيمان {فقد ضل سواء السبيل} أخطأ وسط الطريق وقيل: قصد السبيل.
{ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109) }
قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب} الآية نزلت في نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان
