معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 1
البغوي • التفسير • ج1 ص320
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
فكانت كذلك ثم نودي: إن الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق، وعمر الله إرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى: {فأماته الله مائة عام ثم بعثه} أي أحياه {قال كم لبثت} أي: كم مكثت؟ يقال: لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت؟ {قال لبثت يوما} وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال {أو بعض يوم} بل بعض يوم {قال} الملك {بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك} يعني التين {وشرابك} يعني العصير {لم يتسنه} أي لم يتغير، فكان التين كأنه قطف في ساعته والعصير كأنه عصر في ساعته.
قال الكسائي: كأنه لم تأت عليه السنون. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لم يتسن بحذف الهاء في الوصل وكذلك "فبهداهم اقتده" (90-الأنعام) وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلا ووقفا، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال: أصله يتسنى فحذف الياء بالجزم وأبدل منه هاء في الوقف وقال أبو عمرو: هو من التسنن بنونين: وهو التغير كقوله تعالى: "من حمإ مسنون" (26-الحج) أي متغير فعوضت من إحدى النونين ياء كقوله تعالى: "ثم ذهب إلى أهله يتمطى" (33-القيامة) أي يتمطط، وكقوله "وقد خاب من دساها" (10-الشمس) وأصله دسيتها، ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل، وهذا على قول من جعل أصل السنة السنهة وتصغيرها سنيهة والفعل من السانهة وإنما قال: لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين رد التغيير إلى أقرب اللفظين وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر {وانظر إلى حمارك} فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر {ولنجعله آية للناس} قيل الواو زائدة مقحمة. وقال الفراء أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه ولنجعلك آية أي: عبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك وغيره: إنه عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية.
قوله تعالى: {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} قرأ أهل الحجاز والبصرة ننشرها بالراء معناه نحييها يقال: أنشر الله الميت إنشارا ونشرة نشورا قال الله تعالى: "ثم إذا شاء أنشره" (22-عبس) وقال في اللازم "وإليه النشور" (15-الملك) وقرأ الآخرون بالزاي أي نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه، يقال: أنشزته فنشز أي رفعته فارتفع.
واختلفوا في معنى الآية، فقال الأكثرون: أراد به عظام حماره، وقال السدي: إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه فبعث الله تعالى ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل وقد ذهبت بها الطير والسباع فاجتمعت فركب بعضها في بعض وهو ينظر، فصار حمارا من
#
