معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 1
البغوي • التفسير • ج1 ص120
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام أنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد به الله {إلى السماء} (1) وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحا للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم به كان يحيي الموتى ويري الناس به العجائب، وقيل: هو الإنجيل جعل له روحا كما {جعل القرآن روحا لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه سبب لحياة القلوب} (2) قال تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" (52-الشورى) فلما سمع اليهود ذكر عيسى عليه السلام فقالوا: يا محمد لا مثل عيسى -كما تزعم-عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا.
قال الله تعالى: {أفكلما جاءكم} يا معشر اليهود {رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان {ففريقا} طائفة {كذبتم} مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم {وفريقا تقتلون} أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيبا وسائر من قتلوه من الأنبياء عليهم السلام
{وقالوا} يعني اليهود {قلوبنا غلف} جمع الأغلف وهو الذي عليه غشاء، معناه عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول، قاله مجاهد وقتادة، نظيره قوله تعالى: "وقالوا قلوبنا في أكنة" (5-فصلت) وقرأ ابن عباس غلف بضم اللام وهي قراءة الأعرج وهو جمع غلاف أي قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي: معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثا إلا تعيه إلا حديثك لا تعقله ولا تعيه ولو كان فيه {خير} (3) لوعته وفهمته.
قال الله عز وجل {بل لعنهم الله} طردهم الله وأبعدهم عن كل خير {بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} قال قتادة: معناه لن يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، أي فقليلا يؤمنون، ونصب قليلا [على الحال وقال معمر: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، أي فقليل يؤمنون ونصب قليلا] (4) بنزع الخافض، و (ما) صلة على قولهما، وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا أي لا تفعله أصلا
{ولما جاءهم كتاب من عند الله} يعني القرآن {مصدق} موافق {لما معهم} يعني التوراة {وكانوا} يعني اليهود {من قبل} قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم {يستفتحون} يستنصرون {على الذين كفروا} على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج
