معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص118
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) }
{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} وذلك أن أبا سفيان والمشركين لما ارتحلوا يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به.
سنلقي أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف وقرأ (1) أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب {الرعب} بضم العين وقرأ الآخرون بسكونها، {بما أشركوا باللهما لم ينزل به سلطانا} حجة وبرهانا، {ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} مقام الكافرين.
قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى:
{ولقد صدقكم الله وعده} بالنصر والظفر وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين في الابتداء، {إذ تحسونهم بإذنه} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين، وهو جبل عن يساره وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيوف، حتى ولوا هاربين فذلك قوله تعالى {إذ تحسونهم بإذنه} أي تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله.
