معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص208
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها" (1) ، ثم تلا {الرجال قوامون على النساء} الآية.
{واللاتي تخافون نشوزهن} عصيانهن، وأصل النشوز: التكبر والارتفاع، ومنه النشز للموضع المرتفع، {فعظوهن} بالتخويف من الله والوعظ بالقول، {واهجروهن} يعني: إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن {في المضاجع} قال ابن عباس: يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش آخر، {واضربوهن} يعني: إن لم ينزعن مع الهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح ولا شائن، وقال عطاء: ضربا بالسواك وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حق المرأة أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" (2) .
{فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} أي: لا تجنوا عليهن الذنوب، وقال ابن عيينة: لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن. {إن الله كان عليا كبيرا} متعاليا من أن يكلف العباد مالا يطيقونه، وظاهر الآية يدل على أن الزوج يجمع عليها بين الوعظ والهجران والضرب، فذهب بعضهم إلى ظاهرها وقال: إذا ظهر منها النشوز جمع بين هذه الأفعال، وحمل الخوف في قوله {واللاتي تخافون نشوزهن} على العلم كقوله تعالى: "فمن خاف من موص جنفا" (البقرة -182) أي: علم، ومنهم من حمل الخوف على الخشية لا على حقيقة العلم، كقوله تعالى: "وإما تخافن من قوم خيانة" (الأنفال -58) ، وقال: هذه الأفعال على ترتيب الجرائم، فإن خاف نشوزها بأن ظهرت أمارته منها من المخاشنة وسوء الخلق وعظها، 84/ب فإن أبدت النشوز هجرها، فإن أصرت على ذلك ضربها.
{وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) }
قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما} يعني: شقاقا بين الزوجين، [والخوف بمعنى اليقين، وقيل:
