معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص220
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
وأصل الجنابة: البعد وسمي جنبا لأنه يتجنب موضع الصلاة، أو لمجانبته الناس وبعده منهم، حتى يغتسل.
قوله تعالى: {إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} اختلفوا في معناه، فقالوا: [إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمموا، منع الجنب من الصلاة حتى يغتسل] (1) إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم، وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد رضي الله عنهم.
وقال الآخرون: المراد من الصلاة موضع الصلاة، كقوله تعالى: "وبيع وصلوات" (الحج -40) ، ومعناه: لا تقربوا المسجد وأنتم جنب إلا مجتازين فيه للخروج منه، مثل أن ينام في المسجد فيجنب أو تصيبه جنابة والماء في المسجد أو يكون طريقه عليه، فيمر فيه ولا يقيم وهذا قول عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري، وذلك أن قوما من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم ولا ممر لهم إلا في المسجد، فرخص لهم في العبور.
واختلف أهل العلم فيه: فأباح بعضهم المرور فيه على الإطلاق، وهو قول الحسن وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله، ومنع بعضهم على الإطلاق وهو قول أصحاب الرأي، وقال بعضهم: يتيمم للمرور فيه.
أما المكث فلا يجوز عند أكثر أهل العلم لما روينا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (2) ، وجوز أحمد المكث فيه وضعف الحديث لأن راويه مجهول، وبه قال المزني.
ولا يجوز للجنب الطواف كما لا يجوز له الصلاة ولا يجوز له قراءة القرآن، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة أخبرني عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله بن سلمة (3) يقول: دخلت على علي رضي الله عنه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الحاجة ويأكل معنا اللحم ويقرأ القرآن وكان لا يحجبه أو لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة" (4) .
