معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص263
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
كنت عليه فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى، ولئن كانت ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خاليا أبدا إلا قتلتك، ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه، فبينا عياش يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث فقتله، فقال الناس: ويحك أي شيء صنعت؟ إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته، فنزل: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} (1) .
وهذا نهي عن قتل المؤمن كقوله تعالى: "وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله" (الأحزاب -53) .
{إلا خطأ} استثناء منقطع معناه: لكن إن وقع خطأ، {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} أي: فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة، {ودية مسلمة} كاملة، {إلى أهله} أي: إلى أهل القتيل الذي يرثونه، {إلا أن يصدقوا} أي: يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية، {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} أراد به إذا كان الرجل مسلما في دار الحرب منفردا مع الكفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية فيه، وعليه الكفارة، وقيل: المراد منه إذا كان المقتول مسلما في دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار، وقرابته في دار الحرب حرب للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية لأهله، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد.
قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} أراد به إذا كان المقتول كافرا ذميا أو معاهدا فيجب فيه الدية والكفارة، والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مسلما أو معاهدا، رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، وتكون في مال القاتل، {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} والقاتل إن كان واجدا للرقبة أو قادرا على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإعتاق، ولا يجوز أن ينتقل إلى الصوم فإن عجز عن تحصيلها فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن أفطر يوما متعمدا في خلال الشهرين أو نسي النية ونوى صوما آخر وجب عليه استئناف الشهرين.
وإن أفطر يوما بعذر مرض أو سفر فهل ينقطع التتابع؟ اختلف أهل العلم فيه، فمنهم من قال: ينقطع وعليه استئناف الشهرين، وهو قول النخعي وأظهر قولي الشافعي رضي الله عنه لأنه أفطر مختارا، ومنهم من قال: لا ينقطع وعليه أن يبني، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي.
