معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص33
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولدا في غير حينه من الكبر فطمع في الولد، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد.
{هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) }
قال الله تعالى {هنالك} أي عند ذلك {دعا زكريا ربه} فدخل المحراب [وأغلق الباب] (1) وناجى ربه {قال رب} أي يا رب {هب لي} أعطني {من لدنك} أي من عندك {ذرية طيبة} أي ولدا مباركا تقيا صالحا رضيا، والذرية تكون واحدا وجمعا ذكرا وأنثى، وهو هاهنا واحد، بدليل قوله عز وجل " فهب لي من لدنك وليا " (5 -مريم) وإنما قال: طيبة لتأنيث لفظ الذرية {إنك سميع الدعاء} أي سامعه، وقيل مجيبه، كقوله تعالى: " إني آمنت بربكم فاسمعون " (25 -يس) أي فأجيبوني
{فنادته الملائكة} قرأ حمزة والكسائي فناداه بالياء، والآخرون بالتاء، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث لفظ الملائكة وللجمع مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيها أحسن كقوله تعالى: " قالت الأعراب " (14 -الحجرات) وعن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يذكر الملائكة في القرآن. قال أبو عبيدة: إنما نرى عبد الله اختار ذلك خلافا للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى، وروى الشعبي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياء وذكروا القرآن.
وأراد بالملائكة هاهنا: جبريل عليه السلام وحده كقوله تعالى في سورة النحل " ينزل الملائكة" يعني جبريل (بالروح) بالوحي، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: سمعت هذا الخبر من الناس، وإنما سمع من واحد، نظيره قوله تعالى: " الذين قال لهم الناس " (173 -آل عمران) يعني نعيم بن مسعود "إن الناس" يعني أبا سفيان بن حرب، وقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيسا يجوز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة وقل ما يبعث إلا ومعه جمع، فجرى على ذلك.
قوله تعالى: {وهو قائم يصلي في المحراب} أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان، فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما هو قائم يصلي في المحراب، يعني في المسجد عند المذبح يصلي، والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل
