معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 2
البغوي • التفسير • ج2 ص315
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة} أي: ولا تقولوا هم ثلاثة، وكانت النصارى تقول: أب وابن وروح قدس، {انتهوا خيرا لكم} تقديره: انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم، {إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} واعلم أن التبني لا يجوز لله تعالى، لأن التبني إنما يجوز لمن يتصور له ولد، {له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا}
{لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) }
قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} وذلك أن وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه ليس بعار لعيسى عليه السلام أن يكون عبدا لله"، فنزل: {لن يستنكف المسيح} لن يأنف ولن يتعظم، والاستنكاف: التكبر مع الأنفة، {ولا الملائكة المقربون} وهم حملة العرش، لا يأنفون أن يكونوا عبيدا لله، ويستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة، ولا يرتقى إلا إلى الأعلى، لا يقال: لا يستنكف فلان من هذا ولا عبده، إنما يقال: فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه، ولا حجة لهم فيه لأنه لم يقل ذلك رفعا لمقامهم على مقام البشر، بل ردا على الذين يقولون الملائكة آلهة، كما رد على النصارى قولهم المسيح ابن الله، وقال ردا على النصارى بزعمهم، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة. قوله تعالى: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} قيل الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار هو العلو والتكبر من غير أنفة.
{فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) }
{فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} من التضعيف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، {وأما الذين استنكفوا واستكبروا} عن عبادته، {فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا}
قوله عز وجل: {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن، والبرهان: الحجة، {وأنزلنا إليكم نورا مبينا} مبينا يعني القرآن.
#
