معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص138
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
ومعاصيهم، وقيل: ما كانوا يخفون وهو قولهم "والله ربنا ما كنا مشركين" (الأنعام، 23) ، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تجعل الآية في المنافقين، وقال المبرد: بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال النضر بن شميل: بل بدا عنهم.
ثم قال {ولو ردوا} إلى الدنيا {لعادوا لما} يعني إلى ما {نهوا عنه} من الكفر، {وإنهم لكاذبون} في قولهم، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
{وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} هذا إخبار عن إنكارهم البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، هذا من قولهم لو ردوا لقالوه.
قوله عز وجل: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي: على حكمه وقضائه ومسألته، وقيل: عرضوا على ربهم، {قال} لهم وقيل: تقول لهم الخزنة بأمر الله، {أليس هذا بالحق} ؟ يعني: أليس هذا البعث والعذاب بالحق؟ {قالوا بلى وربنا} إنه حق، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين في موقف آخر، وفي القيامة مواقف، ففي موقف يقرون، وفي موقف ينكرون. {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}
{قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (32) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) }
{قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت، {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي: القيامة {بغتة} أي: فجأة، {قالوا يا حسرتنا} ندامتنا، [ذكر] (1) على وجه النداء للمبالغة، وقال سيبويه: كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك، {على ما فرطنا} أي: قصرنا {فيها} أي: في الطاعة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.
