معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص220
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
آدم أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فاغتر به.
{فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) }
{فدلاهما بغرور} أي: خدعهما، يقال: ما زال فلان يدلي لفلان بغرور، يعني: ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف باطل من القول.
وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل، والتدلية: إرسال الدلو في البئر، يقال: تدلى بنفسه ودلى غيره، قال الأزهري: أصله: تدلية العطشان البئر ليروى من الماء ولا يجد الماء 128/ب فيكون مدلى بغرور، والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغش.
{فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} قال الكلبي: فلما أكلا منها، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة، والعقوبة أن "بدت" ظهرت لهما "سوآتهما" عوراتهما، وتهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه، وكانا لا يريان ذلك. قال وهب: كان لباسهما من النور. وقال قتادة: كان ظفرا ألبسهما الله من الظفر لباسا فلما وقعا في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا، {وطفقا} أقبلا وجعلا {يخصفان} يرقعان ويلزقان ويصلان، {عليهما من ورق الجنة} وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.
قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما، وروي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق (1) كثير شعر الرأس، فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته، وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة، فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن استحييتك" (2) .
{وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} يعني: الأكل منها، {وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين}
