معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص331
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
لما أراك الله فنحن معك فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا علي أيها الناس" وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟
قال: أجل.
قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق أعطيناك على ذلك [عهودا ومواثيق] (1) على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق في اللقاء ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم".
قال ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان"، قال ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال فما ماط أحد عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} أي: الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير والأخرى أبو جهل مع النفير.
{وتودون} أي: تريدون {أن غير ذات الشوكة تكون لكم} يعني العير التي ليس فيها قتال. والشوكة: الشدة والقوة. ويقال السلاح.
