معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص79
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
(محمد، 20) وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: "ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم" الآية (النساء، 70) ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.
قوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} قرأ أهل المدينة (رسالاته) ، على الجمع والباقون رسالته على التوحيد.
ومعنى الآية: إن لم تبلغ الجميع وتركت بعضه، فما بلغت شيئا، أي: جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك 109/ب في ترك تبليغ الكل، كقوله: "ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا" (النساء، 150-151) ، أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض.
وقيل: بلغ ما أنزل إليك أي: أظهر تبليغه، كقوله: "فاصدع بما تؤمر" (الحجر، 94) وإن لم تفعل: فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهرا محتسبا صابرا، غير خائف، فإن أخفيت منه شيئا لخوف يلحقك فما بلغت رسالته.
{والله يعصمك من الناس} يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟
قيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك.
وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.
وقيل: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم.
{إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أنا سنان بن أبي سنان الدولي وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معه وأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي، فقال: "إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله "ثلاثا"، ولم يعاقبه وجلس. (1) .
