معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 3
البغوي • التفسير • ج3 ص85
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
مشركي مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: منهم يعني من المنافقين يتولون اليهود، {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة، {أن سخط الله عليهم} غضب الله عليهم، {وفي العذاب هم خالدون}
{ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} محمد صلى الله عليه وسلم، {وما أنزل إليه} يعني القرآن، {ما اتخذوهم} يعني الكفار، {أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} أي خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى.
قوله عز وجل: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} يعني: مشركي العرب، {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم، لا ولاء، ولا كرامة لهم، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه، [وقيل: نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى، لأن اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود] (1) .
قال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: "إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا" وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولهم قيصر وكسرى، فخرج إليهم سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، [وعبد الرحمن بن عوف] (2) وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته
