معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص110
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشقة السفر ومقاساة التعب. {ذلك بأنهم لا يصيبهم} في سفرهم، {ظمأ} عطش، {ولا نصب} تعب، {ولا مخمصة} مجاعة، {في سبيل الله ولا يطئون موطئا} أرضا، {يغيظ الكفار} وطؤهم إياه {ولا ينالون من عدو نيلا} أي: لا يصيبون من عدوهم قتلا أو أسرا أو غنيمة أو هزيمة، {إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} .
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي مريم، حدثنا عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار" (1) .
واختلفوا في حكم هذه الآية، قال قتادة: هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة (2) .
وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، وابن المبارك، وابن جابر، وعمر (3) بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنها لأول هذه الأمة وآخرها (4) .
وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله تعالى وأباح التخلف لمن يشاء، فقال: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (5) .
{ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121) } .
قوله تعالى: {ولا ينفقون نفقة} أي: في سبيل الله، {صغيرة ولا كبيرة} ولو علاقة (6) سوط، {ولا يقطعون واديا} لا يجاوزون واديا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين. {إلا كتب لهم} يعني: آثارهم وخطاهم، {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} روي عن خريم بن فاتك قال: قال رسول
