معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص206
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) } .
{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) } .
قوله عز وجل: {فلولا} فهلا {كان من القرون} التي أهلكناهم، {من قبلكم} والآية للتوبيخ {أولو بقية} أي: أولو تمييز. وقيل: أولو طاعة. وقيل: أولو خير. يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير. معناه: فهلا كان من القرون من قبلكم من فيه خير ينهى عن الفساد في الأرض؟ [وقيل: معناه أولو بقية من خير. يقال: فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة] (1) .
{ينهون عن الفساد في الأرض} أي يقومون بالنهي عن الفساد، ومعناه جحد، أي: لم يكن فيهم أولو بقية. {إلا قليلا} هذا استثناء منقطع معناه: لكن قليلا {ممن أنجينا منهم} وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. {واتبع الذين ظلموا ما أترفوا} نعموا، {فيه} والمترف: المنعم. وقال مقاتل بن حيان: خولوا. وقال الفراء: [عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا] (2) أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة. {وكانوا مجرمين} كافرين.
{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} أي: لا يهلكهم بشركهم، {وأهلها مصلحون} فيما بينهم يتعاطون الإنصاف ولا يظلم بعضهم بعضا، وإنما يهلكهم إذا تظالموا، وقيل: لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات.
قوله عز وجل: {ولو شاء ربك لجعل الناس} كلهم {أمة واحدة} على دين واحد. {ولا يزالون مختلفين} على أديان شتى من بين يهودي ونصراني، ومجوسي، ومشرك.
{إلا من رحم ربك} معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق، فهم لا يختلفون، {ولذلك خلقهم} قال الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية، فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير.
