معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 4
البغوي • التفسير • ج4 ص91
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
وقال الزهري: نزلت في تخلفه عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية، وقال: والله لا أحل نفسي ولا أذوق طعاما ولا شرابا، حتى أموت أو يتوب الله علي! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقيل له: قد تيب عليك!، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث (1) .
قالوا جميعا: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لأن الله تعالى قال: {خذ من أموالهم} ولم يقل: خذ أموالهم. قال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا.
{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (103) } .
قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} بها من ذنوبهم، {وتزكيهم بها} أي: ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين. وقيل: تنمي أموالهم {وصل عليهم} أي: ادع لهم واستغفر لهم. وقيل: هو قول الساعي [للمصدق] (2) إذا أخذ الصدقة منه: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. والصلاة في اللغة: الدعاء. {إن صلاتك} قرأ حمزة والكسائي: 164/أ "صلاتك" على التوحيد؛ ونصب التاء ها هنا وفي سورة هود "أصلاتك" وفي سورة المؤمنين "على صلاتهم" [كلهن على التوحيد] (3) وافقهما حفص ها هنا وفي سورة هود. وقرأ الآخرون بالجمع فيهن ويكسرون التاء ها هنا.
{سكن لهم} أي: إن دعاءك رحمة لهم. قاله ابن عباس. وقيل: طمأنينة لهم، وسكون لهم، أن الله عز وجل قد قبل منهم. وقال أبو عبيدة: تثبيت لقلوبهم. {والله سميع عليم} .
واختلفوا في وجوب الدعاء على الإمام عند أخذ الصدقة: قال بعضهم: يجب. وقال بعضهم: يستحب. وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة التطوع. وقيل: يجب على الإمام، ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى -وكان من أصحاب الشجرة-قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قومه بصدقة قال: "اللهم صل عليهم"، فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (4) .
