معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 5
البغوي • التفسير • ج5 ص53
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}
{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) }
{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} هذه الآيات نزلت بالمدينة في شهداء أحد (1) وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد، من تبقير البطون، والمثلة السيئة -حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به غير حنظلة بن الراهب فإن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك-فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على صنيعهم، ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه، وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها، ثم استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما إنها لو أكلته لم تدخل النار أبدا، حمزة أكرم على الله تعالى من أن يدخل شيئا من جسده النار فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة، ونظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رحمة الله عليك فإنك ما علمت ما كنت إلا فاعلا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك"، فأنزل الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا} الآية. {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} أي: ولئن عفوتم لهو خير للعافين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل نصبر، وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه (2) .
