شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 6

البغوي • التفسير • ج6 ص270

تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع

ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة من غير ذكر من يموت وهو صغير، وزاد: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} (1) . قوله: "من يولد يولد على الفطرة" يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم بقوله: "ألست، بربكم قالوا بلى" (الأعراف-172) ، وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنفية التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره، قال تعالى: "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" (الزخرف-87) ، وقالوا: "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" (الزمر-3) ، ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: "فأبواه يهودانه"؟ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكوم له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" (2) . ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي، وحماد بن سلمة (3) .

وحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث إن كل مولود يولد على فطرته، أي: على خلقته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين، فيحملانه -لشقائه-على اعتقاد دينهما (4) . وقيل: معناه أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة [على الفطرة أي على الجبلة السليمة] (5) والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها، لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره ... ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك على الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة. ذكر أبو سليمان الخطابي هذه المعاني في كتابه (6) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية