معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 7
البغوي • التفسير • ج7 ص192
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
الأنصار ونصروه أحب الله عز وجل أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء عليهم السلام حيث قالوا: "وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين" (الشعراء-109) فأنزل الله تعالى: "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله"، فهي منسوخة بهذه الآية، وبقوله: "قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" (الزمر-86) ، وغيرها من الآيات. وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم، والحسين بن الفضل.
وهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة، والعمل الصالح من فرائض الدين، وهذه أقاويل السلف في معنى الآية، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه الأشياء.
وقوله: "إلا المودة في القربى"، ليس باستثناء متصل بالأول حتى يكون ذلك أجرا في مقابلة أداء الرسالة، بل هو منقطع، ومعناه: ولكني أذكركم المودة في القربى وأذكركم قرابتي منكم، كما روينا في حديث زيد بن أرقم: "أذكركم الله في أهل بيتي".
قوله عز وجل: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} أي: من يزد (1) طاعة نزد له فيها حسنا بالتضعيف، {إن الله غفور} للذنوب، {شكور} للقليل حتى يضاعفها.
{أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) }
{أم يقولون} بل يقولون يعني: كفار مكة، {افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم، وقولهم إنه مفتر، قال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك، فأخبرهم أنه لو افترى على الله لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، ثم ابتدأ فقال: {ويمح الله الباطل} قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: والله يمحو الباطل. وهو في محل رفع، ولكنه حذف منه الواو في المصحف على اللفظ كما حذفت من قوله: "ويدع الإنسان" (الإسراء-11) و"سندع الزبانية" (العلق-18) ، أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه الله، {ويحق الحق بكلماته} أي: الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، {إنه عليم بذات الصدور} قال ابن عباس: لما نزلت: "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى"، وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق؟ فنزل:
{وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} .
