معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص133
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
لما بي من الهم والحياء، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد وقال: "يا زيد إن الله صدقك وأوفى بأذنك".
وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، فلما جاء عبد الله بن أبي قال: [وراءك، قال:] (1) مالك ويلك؟ قال: لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن اليوم من الأعز من الأذل، فشكا عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه حتى يدخل، فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم، فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات.
قالوا: فلما نزلت الآية وبان كذب عبد الله بن أبي قيل له: يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فأنزل الله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم" (2) الآية. ونزل: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا}
{هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) }
{هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} يتفرقوا، {ولله خزائن السماوات والأرض} فلا يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته، {ولكن المنافقين لا يفقهون} أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} من غزوة بني المصطلق، {ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} فعزة الله: قهره من دونه، وعزة رسوله: إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين: نصر الله إياهم على أعدائهم. {ولكن المنافقين لا يعلمون} ، ذلك ولو علموا ما قالوا هذه المقالة.
