معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص143
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر، فإذا هاجر رأى الذين سبقوه بالهجرة قد فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجه وولده الذين ثبطوا عن الهجرة، وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم ولم يصبهم بخير، فأمرهم الله تعالى بالعفو عنهم والصفح.
وقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي: كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم (1) فأنزل الله: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم" بحملهم إياكم على ترك الطاعة، فاحذروهم أن تقبلوا منهم.
{وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا} فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم فالله غفور رحيم.
{إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) }
{إنما أموالكم وأولادكم فتنة} بلاء واختبار وشغل عن الآخرة يقع بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام {والله عنده أجر عظيم} قال بعضهم: لما ذكر الله العداوة أدخل فيه "من" للتبعيض، فقال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم" لأن كلهم ليسوا [بأعداء] (2) ولم يذكر "من" في قوله: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة" لأنها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب.
وكان عبد الله بن مسعود يقول: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن (3)
أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الفقيه، حدثنا أحمد بن بكر بن يوسف حدثنا علي بن الحسن، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة قال سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله
