معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص243
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
يعني النبي صلى الله عليه وسلم {يدعوه} يعني يعبده ويقرأ القرآن، ذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن {كادوا} يعني الجن {يكونون عليه لبدا} أي يركب بعضهم بعضا ويزدحمون حرصا على استماع القرآن. هذا قول الضحاك ورواية عطية عن ابن عباس.
وقال سعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واقتدائهم به في الصلاة (1) .
وقال الحسن وقتادة وابن زيد يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره، ويتم هذا الأمر، وينصره على من ناوأه (2) .
وقرأ هشام عن ابن عامر: "لبدا" بضم اللام، وأصل "اللبد" الجماعات بعضها فوق بعض، ومنه سمي اللبد الذي يفرش لتراكمه، وتلبد الشعر: إذا تراكم.
{قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) }
{قل إنما أدعو ربي} قرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة: "قل" على الأمر، وقرأ الآخرون: "قال" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما أدعو ربي" قال مقاتل: وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد جئت بأمر عظيم فارجع عنه فنحن نجيرك، فقال لهم: إنما أدعو ربي {ولا أشرك به أحدا} {قل إني لا أملك لكم ضرا} لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا {ولا رشدا} أي لا أسوق إليكم رشدا أي: خيرا يعني أن الله يملكه. {قل إني لن يجيرني من الله أحد} لن يمنعني من أحد إن عصيته {ولن أجد من دونه ملتحدا} ملجأ أميل إليه. ومعنى "الملتحد" أي: المائل. قال السدي: حرزا. وقال الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السرب. {إلا بلاغا من الله ورسالاته} ففيه الجوار والأمن والنجاة، قاله الحسن. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذاب الله، يعني التبليغ. وقال قتادة: إلا بلاغا من الله فذلك الذي أملكه بعون
