معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص296
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
{متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) }
{متكئين} نصب على الحال {فيها} في الجنة {على الأرائك} السرر في الحجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} أي [صيفا] (1) ولا شتاء. قال مقاتل: يعني شمسا يؤذيهم حرها ولا زمهريرا يؤذيهم برده، لأنهما يؤذيان في الدنيا. والزمهرير: البرد الشديد. {ودانية عليهم ظلالها} أي قريبة منهم ظلال أشجارها، ونصب "دانية" بالعطف على قوله "متكئين" وقيل: على موضع قوله: "لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا" ويرون "دانية" وقيل: على المدح {وذللت} سخرت وقربت {قطوفها} ثمارها {تذليلا ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا} يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ويتناولونها كيف شاءوا على أي حال كانوا. {قوارير من فضة} قال المفسرون: أراد بياض الفضة في صفاء القوارير، فهي من فضة في صفاء الزجاج، يرى ما في داخلها من خارجها.
قال الكلبي إن الله جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة، فجعل منها قوارير يشربون فيها {قدروها تقديرا} قدروا الكأس على قدر ريهم لا يزيد ولا ينقص، أي قدرها لهم السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم يقدرونها ثم يسقون. {ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا} يشوق ويطرب، والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه جدا، فوعدهم الله تعالى أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة. قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل الدنيا. قال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له في الدنيا مثل. وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل. قال قتادة: يشربها المقربون صرفا، ويمزج لسائر أهل الجنة (2) . {عينا فيها تسمى سلسبيلا} قال قتادة: سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاءوا (3) وقال
