معالم التنزيل (تفسير البغوي) — ج 8
البغوي • التفسير • ج8 ص421
تحقيق: حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش — دار طيبة للنشر والتوزيع
والمعنى: أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من هو بالمرصاد.
وقال السدي: أرصد الله النار على طريقهم حتى يهلكهم.
{فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) }
{فأما الإنسان إذا ما ابتلاه} امتحنه {ربه} بالنعمة {فأكرمه} بالمال {ونعمه} بما وسع عليه {فيقول ربي أكرمن} بما أعطاني.
{وأما إذا ما ابتلاه} بالفقر {فقدر عليه رزقه} قرأ أبو جعفر وابن عامر "فقدر" بتشديد الدال، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهما لغتان، أي ضيق عليه رزقه. وقيل: "قدر" بمعنى قتر وأعطاه قدر ما يكفيه. {فيقول، ربي أهانن} أذلني بالفقر. وهذا يعني به الكافر، تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في الدنيا وقلته. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر، فرد الله على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة، فقال {كلا} لم أبتله بالغنى لكرامته، ولم أبتله بالفقر لهوانه، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق، ولكن الفقر والغنى بتقديره، فيوسع على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا لهوانه، إنما يكرم المرء بطاعته ويهينه بمعصيته.
قرأ أهل الحجاز والبصرة "أكرمني وأهانني" بإثبات الياء في الوصل، ويقف ابن كثير ويعقوب بالياء أيضا، والآخرون يحذفونها وصلا ووقفا.
{بل لا تكرمون اليتيم} قرأ أهل البصرة: "يكرمون، ويحضون، ويأكلون، ويحبون" بالياء فيهن، وقرأ الآخرون بالتاء، "لا تكرمون اليتيم" لا تحسنون إليه. وقيل: لا تعطونه حقه.
قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه.
{ولا تحاضون على طعام المسكين} أي لا تأمرون بإطعامه، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: "تحاضون" بفتح الحاء وألف بعدها، أي لا يحض بعضكم بعضا عليه (1) .
